من يكتب ذاكرة المدينة بعد رحيل أهلها؟

لا تبدأ ذاكرة المدينة من أرشيف رسمي، ولا تنتهي عند صورة قديمة معلقة في متحف. إنها شيء أكثر مراوغة؛ يسكن في أسماء الأزقة، وفي هيئة البيوت، وفي مواعيد الأسواق، وفي حكاية يعرفها أهل الحي ولا يجدها الباحث في كتاب.
لكن ماذا يحدث لهذه الذاكرة عندما يرحل الذين عاشوها؟
يرحل أصحابها، ويبقى المكان. غير أن بقاء المكان لا يعني بقاء حكايته. قد تظل الساحة في موضعها، ويختفي الاسم الذي كان الناس ينادونها به. يبقى البيت، ولا يبقى من يعرف لماذا بُنيت نافذته على ذلك النحو. يستمر المقهى، فيما تنقطع الحكايات التي كانت تمنحه معنى يتجاوز الجدران والكراسي.
هنا تبدأ المسألة الأصعب: من يكتب ذاكرة المدينة حين يغيب شهودها؟
المؤرخ يستطيع أن يجمع الوثائق، ويضبط التواريخ، ويرسم تسلسل الأحداث. لكنه لا يستطيع وحده أن يستعيد نبرة امرأة كانت تعرف سكان الحي واحداً واحداً، أو طريقة بائع قديم في مناداة زبائنه، أو سبب تسمية شارع باسم لا يظهر في أي سجل رسمي. الوثيقة تحفظ الواقعة، لكنها لا تحفظ دائماً ظلالها.
ولذلك تحتاج المدينة إلى أكثر من أرشيف؛ تحتاج إلى الإصغاء.
فالشهادة الشفوية ليست هامشاً على التاريخ، بل إحدى طبقاته الحية. وفي ذاكرة كبار السن تفاصيل صغيرة قد تبدو عابرة، لكنها تكشف كيف كان المكان يُعاش، لا كيف كان يُرسم. أسماء المهن، وطرق البيع، ومواسم السفر، وألعاب الأطفال، وروائح المخابز، وأصوات الباعة، وحتى الخلافات التي كانت تشغل سكان الحي؛ كل ذلك مادة لبناء صورة أكثر اكتمالاً عن المدينة.
غير أن الخطر لا يكمن في النسيان وحده، بل في أن يأتي آخرون ليملؤوا الفراغ بحكايات مصقولة أكثر مما ينبغي. حين تصبح الذاكرة مادة للعرض فقط، قد تفقد خشونتها وتناقضاتها وأصواتها المتعددة، وتتحول المدينة إلى صورة جميلة لا تشبه تماماً من عاشوا فيها.
لذلك لا ينبغي أن يكون السؤال: من يملك حق كتابة الذاكرة؟ بل: كيف نترك المجال لأصوات متعددة كي تشارك في صياغتها؟
المدينة ليست سيرة شخص واحد. فيها روايات متجاورة، وأحياناً متعارضة، وكل رواية تكشف جانباً من حقيقتها. وما يحفظ الذاكرة ليس الاتفاق الكامل، بل القدرة على الاحتفاظ بهذا التعدد من دون محوه.
ربما تكون مهمة الجيل الجديد أقل شبهاً بالكتابة، وأكثر شبهاً بالإنقاذ: أن ينقذ من النسيان ما يمكن إنقاذه، وأن يسأل قبل أن يختفي الشهود، وأن يسجل قبل أن تتغير الأمكنة، وأن يمنح التفاصيل الصغيرة حقها في البقاء.
فالمدينة التي تفقد أسماء ناسها وحكاياتهم لا تفقد ماضيها فقط؛ تفقد بعض قدرتها على فهم حاضرها.
وفي النهاية، لا يكتب ذاكرة المدينة شخص واحد. يكتبها من عاش فيها، ومن وثّقها، ومن سأل عنها، ومن حفظ حكاياتها، ومن أعاد قراءتها دون أن يدّعي امتلاكها. أما المدينة نفسها، فتظل النص المفتوح الذي لا يكتمل ما دام فيها من يتذكر.
