من يملك حق تسمية الأشياء؟

نحن لا نسمّي الأشياء دائماً لكي نعرفها؛ أحياناً نسمّيها لكي نقرر كيف ينبغي أن تُرى.
فالاسم ليس بطاقة تُعلّق على الأشياء ثم ننصرف. إنه زاوية نظر. وحين نمنح مكاناً أو ظاهرة أو جيلاً اسماً، فإننا نضعه داخل معنى محدد، ونمنحه موقعاً في الحكاية. لذلك لم تكن اللغة، في أي وقت، مجرد وسيلة للتعبير؛ كانت أيضاً إحدى الطرق التي يصوغ بها الإنسان علاقته بالعالم.
من هنا يبدأ السؤال: من يملك حق تسمية الأشياء؟
المدينة، مثلاً، لا تتكون من أبنية وشوارع فقط. لكل مكان اسم سبقه، وحكاية التصقت به، وأناس حملوه في ذاكرتهم قبل أن تحمله الخرائط. قد يتغير الاسم، لكن التغيير لا يمس الحروف وحدها؛ إنه يعيد ترتيب العلاقة بالمكان، ويمنح الذاكرة مدخلاً جديداً إلى الماضي.
والأمر نفسه يحدث حين نسمّي التحولات الاجتماعية. ما نسميه «تغيراً» قد يسميه آخر «أزمة»، وما نصفه بأنه «تطور» قد يراه غيرنا فقداناً لشيء كان ثميناً. الكلمة هنا لا تشرح الواقع فقط؛ إنها تقترح علينا الطريقة التي ينبغي أن نفهمه بها.
ولعل الثقافة هي أكثر المجالات تعرضاً لهذه السلطة الخفية.
من يقرر أن هذا «تراث» وذاك مجرد عادة؟ من يختار ما يدخل المتحف وما يبقى في البيوت؟ من يمنح فناً شعبياً اسماً ثقافياً، بينما يترك ممارسة أخرى خارج المشهد؟ ومن يقرر أن رواية الجد عن القرية أقل قيمة من الوثيقة التي كتبها موظف بعد عقود؟
ليست المشكلة في أن نعرّف الثقافة؛ فلا يمكن لأي مجتمع أن يعيش بلا تعريفات. المشكلة تبدأ حين يتحول التعريف إلى باب لا يملك مفاتيحه إلا القليلون.
فالثقافة لا تسكن الكتب وحدها. قد تختبئ في كلمة محلية، أو في طريقة إعداد طعام، أو في حرفة لم تعد تجد من يتعلمها، أو في حكاية تتناقلها أسرة من جيل إلى آخر. وما لا يدخل في القواميس أو الأرشيفات لا يعني أنه لم يكن جزءاً من حياة الناس.
ربما لهذا تحتاج الثقافة، قبل أن تبحث عن جمهور جديد، إلى أن تصغي إلى الأصوات التي لم تحصل بعد على حق تسمية تجربتها.
فالذين عاشوا المكان يعرفون منه ما لا تعرفه الخرائط، والذين صنعوا الحرفة يعرفون منها ما لا تقوله المتاحف، والذين حملوا الذاكرة يعرفون أن بعض التفاصيل الصغيرة قد تكون أثقل من صفحات كاملة من التاريخ.
لهذا لا يكفي أن نسأل: ماذا نحفظ؟
علينا أن نسأل أولاً: من الذي يملك حق اختيار ما يستحق أن يُحفظ؟
قد يكون أخطر ما تفعله اللغة ليس أن تسمي الأشياء خطأ، بل أن تترك بعضها بلا اسم. فحين يفقد الشيء اسمه، يفقد جزءاً من قدرته على الوصول إلى الذاكرة.
ومن هنا، فإن معركة الثقافة الحقيقية ربما لا تكون على من يكتب الحكاية فقط، بل على من يملك حق اختيار الكلمات التي ستُكتب بها الحكاية.
