النادي الثقافي العربي - الشارقة
المقالات20 سبتمبر 2026عادل الحارثي

حين تصبح الثقافة بلا شهود

حين تصبح الثقافة بلا شهود

ثمة أعمال ثقافية تنتهي مرتين: مرة حين ينتهي عرضها، أو يُغلق كتابها، أو يغادر آخر متفرج مقعده؛ ومرة حين لا يعود هناك من يتذكر أنها حدثت أصلاً.

الموت الأول طبيعي، أما الثاني فليس كذلك.

فكم من أمسية مرّت في مدينة، ثم لم يبقَ منها سوى صورة عابرة؟ وكم من شاعر قرأ قصيدته أمام عشرات الوجوه، ثم انفضّ الجمع وانطفأت الأضواء، ولم تجد القصيدة طريقها إلى قارئ آخر؟ وكم من كتاب صدر باحتفاء محدود، ثم استقر في رف بعيد، حتى صار وجوده نفسه بحاجة إلى من يكتشفه؟

الثقافة لا تختفي دائماً لأنها ضعيفة؛ أحياناً تختفي لأنها لم تجد شاهداً.

والشاهد هنا ليس شخصاً يجلس في الصف الأول، ولا صحفياً يكتب خبراً في اليوم التالي. الشاهد هو كل من يمنح الأثر الثقافي فرصة ثانية للحياة: قارئ يعود إلى كتاب قديم، وباحث يلتقط اسماً من هامش منسي، ومؤسسة تحفظ وثيقة، وموقع يعيد تقديم مادة غابت عن التداول، أو شخص يقول لجيل لم يعش تلك اللحظة: «كان هنا شيء يستحق أن تعرفه».

لهذا يبدو الفرق كبيراً بين إنتاج الثقافة وصناعة ذاكرتها.

إنتاج الثقافة فعلٌ يحدث في الحاضر، أما ذاكرتها فتتكون في الزمن، ببطء، ومن خلال انتقاء ما يبقى وما يسقط من الغربال. وقد يكون العمل الثقافي شديد الأهمية في لحظته، لكنه لا يملك بالضرورة الأدوات التي تضمن له الاستمرار. فالضوء الذي يحيط بالحدث لا يعني أن أثره سيبقى بعد انطفائه.

المشكلة أن المؤسسات الثقافية كثيراً ما تجيد صناعة اللحظة أكثر مما تجيد صناعة ما بعدها.

نقيم المعرض، ثم نفككه. نعقد الندوة، ثم نطوي كراسيها. نحتفي بالكتاب، ثم ننتقل إلى الكتاب التالي. نكرّم المبدع، ثم نبحث عن اسم جديد. وكأن الثقافة سلسلة من الحاضرات المنفصلة، لا نهرٌ تتراكم فيه المياه القديمة تحت الجديدة.

لكن ماذا لو كان لكل فعالية ثقافية سؤال آخر غير سؤال الحضور؟

ماذا سيبقى منها بعد عام؟ وأين ستذهب مادتها؟ هل سيجدها الباحث بعد عشرين عاماً؟ هل يستطيع قارئ لم يكن قد وُلد حين أقيمت الفعالية أن يستعيد شيئاً منها؟ وهل تحفظ المؤسسات ما قيل بقدر ما تحتفي بمن قاله؟

هنا تظهر قيمة الأرشيف، لا باعتباره مخزناً للأوراق، وإنما باعتباره شكلاً من أشكال الوفاء.

الأرشيف الجيد لا يحفظ الماضي لأنه انتهى، بل لأنه قد يكون ضرورياً لفهم ما سيأتي. صورة واحدة قد تكشف تحولاً في مدينة، وتسجيل صوتي قد يعيد نبرة شاعر غاب، وبرنامج قديم قد يخبرنا كيف كانت مؤسسة ثقافية تفكر في زمنها. التفاصيل التي تبدو هامشية اليوم قد تصبح، غداً، المادة الوحيدة التي يستطيع المؤرخ أن يبني عليها روايته.

ومع ذلك، ليست كل ذاكرة محفوظة ذاكرة حية.

فثمة فرق بين أن نضع الأشياء في مستودع، وأن نمنحها فرصة للعودة إلى التداول. الوثيقة التي لا يستطيع أحد العثور عليها تكاد تكون وثيقة صامتة، والكتاب الذي لا يصل إلى قارئ جديد يتحول شيئاً فشيئاً إلى أثر مغلق.

لذلك لا ينبغي أن تسأل المؤسسة الثقافية فقط: كم فعالية أنجزنا؟ وكم شخصاً حضر؟

ربما عليها أن تسأل سؤالاً أكثر صعوبة: كم أثراً تركنا يمكن أن يعيش بعدنا؟

فالثقافة لا تُقاس فقط بما تنتجه في عامها، وإنما بما تستطيع أن تنقله من عام إلى عام، ومن جيل إلى جيل، دون أن تفقد روحه أو سياقه.

والأعمال التي لا تجد شهوداً لا تموت بالضرورة في اللحظة التي تنتهي فيها؛ إنها تبدأ في الغياب.

ومن هنا، ربما تكون إحدى أعمق وظائف المؤسسة الثقافية ألا تسمح للحاضر بأن يبتلع نفسه، وأن تمنح ما يحدث الآن فرصة لأن يصبح ذات يوم جزءاً من الذاكرة، لا مجرد خبرٍ قديم.

فالفعالية تنتهي حين يغادر الجمهور، أما الثقافة فلا ينبغي أن تنتهي معها.

إنها تحتاج دائماً إلى شاهدٍ ثانٍ: من يأتي بعدنا، فيجد أن شيئاً ما قد حدث هنا، وأن أحداً كان حريصاً على ألا يضيع.

 

مشاركة:

ابقَ على اطلاع دائم

اشترك في نشرتنا البريدية لتصلك آخر أخبار الفعاليات والنشاطات الثقافية مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.