النادي الثقافي العربي - الشارقة
المقالات23 سبتمبر 2026حازم المرادي

هل تحتاج الثقافة إلى جمهور؟

هل تحتاج الثقافة إلى جمهور؟

ثمة سؤال يحرج الثقافة أكثر مما يحرج جمهورها: لمن ننتج كل هذا؟ يبدو السؤال بسيطاً، لكنه يضع الثقافة أمام مرآة لا تحب الوقوف طويلاً أمامها. فالمسرح يريد مقاعد ممتلئة، والكتاب يريد قارئاً، والمعرض يريد زائراً، والمحاضرة تريد قاعة تنصت. وحتى العمل الذي وُلد بعيداً عن منطق السوق، يجد نفسه مضطراً إلى البحث عمن يراه أو يسمعه أو يقرأه.

لكن هل الجمهور هو الذي يمنح العمل الثقافي قيمته؟ لو كان الأمر كذلك، لكانت القاعة الممتلئة دليلاً كافياً على أهمية ما يجري فوق خشبتها، ولأصبح عدد المشاهدات معياراً للحكم على الكتابة، ولأمكن قياس قيمة قصيدة بعدد من مروا عليها، لا بما تركته في واحد منهم.

الثقافة لا تعمل دائماً بهذه السرعة.

هناك أعمال تبدأ حياتها في العتمة. كتاب لا يلتفت إليه أحد عند صدوره، ثم يعثر عليه قارئ بعد سنوات فيجد فيه سؤالاً كان ينقصه. نص مسرحي لا يحقق حضوراً واسعاً في لحظته، لكنه يترك أثراً في فنانين يحملونه إلى تجارب لاحقة. ولو قسنا قيمة هذه الأعمال بلحظة استقبالها الأولى، لحكمنا عليها قبل أن تمنح نفسها الوقت الكافي.

الثقافة لا تحتاج دائماً إلى جمهور حاضر، لكنها تحتاج إلى إمكانية الوصول إليه.

وهنا يبدأ الفرق بين العمل الثقافي والمنتج الذي يبحث عن الاستهلاك. فالعمل الثقافي قد يتأخر أثره، وقد يجد جمهوره في مكان آخر أو زمن آخر. أما تحويل عدد الحاضرين والمشاهدات إلى غاية، فيدفع الثقافة إلى تغيير أسئلتها نفسها: ماذا يجذب الناس؟ ماذا ينتشر سريعاً؟ ماذا يمكن اختصاره إلى صورة أو عنوان؟

عندها يصبح الانتشار أهم من الأثر.

لكن الجمهور ليس خصماً للثقافة. فالثقافة التي لا تجد طريقاً إلى الإنسان تفقد جزءاً من وظيفتها. الكتاب يحتاج قارئاً، والمسرح يحتاج عيناً تشاهده، والفكرة تحتاج عقلاً يختبرها. المشكلة ليست في البحث عن الجمهور، وإنما في جعل الجمهور المعيار الوحيد.

فالجمهور ليس كتلة واحدة، ولا ذائقة ثابتة. وأحياناً لا يعرف الإنسان ما يحتاج إليه ثقافياً قبل أن يلتقي عملاً يفتح أمامه باباً لم يكن يعرف وجوده.

لهذا لا ينبغي للمؤسسة الثقافية أن تختار بين الجمهور والعمق. عليها أن تفتح أبوابها للناس، من دون أن تتخلى عن حقها في تقديم ما يتجاوز المألوف.

وربما يكون السؤال الأهم من «كم شخصاً حضر؟» هو: «ماذا بقي لدى من حضر؟»

قد تمتلئ القاعة ثم ينتهي كل شيء عند بابها. وقد يحضر عدد قليل، لكن فكرة واحدة تخرج معهم وتواصل حياتها في مكان آخر.

الثقافة لا تحتاج إلى جمهور كي تثبت قيمتها، لكنها تحتاج إليه كي تواصل حياتها.

فالمقاعد الفارغة ليست دائماً حكماً على العمل، كما أن المقاعد الممتلئة ليست دائماً شهادة على أثره.

المعيار الأعمق هو ما يحدث بعد انتهاء الفعالية: هل بقي سؤال؟ هل تغيرت نظرة؟ هل بدأت حكاية جديدة؟

هناك، ربما، يبدأ الجمهور الحقيقي للثقافة.

 

مشاركة:

ابقَ على اطلاع دائم

اشترك في نشرتنا البريدية لتصلك آخر أخبار الفعاليات والنشاطات الثقافية مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.